ابن عربي

99

شجون المسجون وفنون المفتون

غلبت عليها العوائد وألفت الفاني ، وقيّدها حبّ الرّاحة والتّواني ، فصارت هذه الأخلاق لها كالطّبع ، فلم تتأثّر بوضع ولا شرع ، وعلاجها في سائر الأمر بما تكره لتلبس الصّبر . نظم في ذلك : [ البسيط ] للنّفس وجهان لا تنفكّ قابلة * ممّا تقابل من عال ومستفل « 1 » وجه إلى الحقّ فيه الحقّ ثمّ لها * وجه إلى الخلق لا ينفكّ عن زلل كنحلة طرفاها في مقابلة * فيها من اللّسع ما فيها من العسل والعقل يشهدها الأولى فكن أبدا * مقابلا قابلا في القول والعمل من رسائل إخوان الصفا « 2 » : النّفس الكلّيّة تسمّى عند الحكماء طبيعة ، وعند المشرّعين هي ملك من ملائكة الله الّذين لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ « 3 » ، وكما ينبثّ « 4 » النّور والحرارة من الشّمس الّتي هي بوسط الأفلاك في جميع العالم ، ويمدّ كلّا بحسبه ، وبه يحصل التّكوين وغير ذلك ، كذلك في الإنسان من الحرارة الغريزيّة المنبثّة من قلبه ، المتّصلة بجزئيّات بدنه ، ومن زحل في العالم الأكبر ، كما من الطّحال ، ومن المرّيخ كما من المرارة [ الصّفراء ] ومنه « 5 » مالك ، ومن المشتري كما من الكبد ومنه رضوان ، وكما من الزّهرة كما ينبثّ من جرم المعدة شهوة الملاذ ومنها روحانيات الحوت « 6 » ، ومن عطارد ، كما من الدّماغ ، ومن القمر كما من الرّئة ، ويعاون بعضها بعضا في الأمر الواحد ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 7 » .

--> ( 1 ) في م : « ومن سفل » . ( 2 ) رسائل إخوان الصفا . الرسالة التاسعة من الجسمانيات في تركيب الجسد 2 / 292 وما بعد . ( 3 ) سورة التحريم : 6 . ( 4 ) في الأصل : « يثبت » تصحيف . ( 5 ) في م : « ومن ذلك » . ( 6 ) في م : « الحور » تحريف . ( 7 ) سورة المؤمنون : 14 .